يتناول هذا المقال الدور المحوري الذي يلعبه تصميم المنتجات وتغليفه في سوق الأعمال، مع التركيز المباشر على الصناعات الاستهلاكية ، وتحديداً قطاعي المنظفات ومستحضرات التجميل.
يستكشف المقال كيف يتحول تصميم التغليف من مجرد كونه وعاء إلى أداة جمالية ترفع من حجم المبيعات وتعزز التسويق، مستعرضاً أمثلة واقعية.
لا تتردد بالتواصل معنا لأي استفسار وذلك من خلال الضغط على أيقونة الواتساب الظاهرة أو من خلال صفحة تواصل معنا
جدول المحتويات
1. مقدمة: التصميم كواجهة للتواصل
في عالم التسويق الحديث، لم يعد “المنتج” مجرد السائل أو المسحوق الموجود داخل العبوة، بل أصبح الشكل المادي المتكامل الذي يشمل العبوة، الغلاف، الألوان، وآلية الاستخدام. يُعرف في الأدبيات الأكاديمية بمصطلح “Silent Salesman” أو البائع الصامت، حيث يقع على عاتق التصميم مهمة جذب انتباه المستهلك خلال ثوانٍ معدودة وسط رفوف مزدحمة بالكثير من المنتجات الأخرى.
تكتسب هذه الأهمية بعداً مضاعفاً في قطاعي المنظفات ومستحضرات التجميل. ففي حين يبحث المستهلك في المنظفات عن “الفعالية” و”النظافة”، فإنه يبحث في مستحضرات التجميل عن “الجمال” و”الثقة”. وهنا يأتي دور المصمم لترجمة هذه الأحاسيس المجردة إلى أشكال ملموسة. إن التصميم الجيد هو الذي يردم الفجوة بين توقعات المستهلك والواقع الوظيفي للمنتج، مما يؤدي بالضرورة إلى زيادة المبيعات ودعم الهوية التسويقية للعلامة التجارية.
2. البعد النفسي للتصميم وأثره المباشر على المبيعات
الديناميكية البصرية في قطاع المنظفات
عند الحديث عن زيادة المبيعات في قطاع المنظفات، يلعب “التصميم الوظيفي” (Functional Design) الدور الأبرز. تشير الدراسات السلوكية إلى أن المستهلك يميل لشراء منتجات التنظيف التي تبدو قوية وفعالة من خلال تصميم عبوتها.
على سبيل المثال، نجد أن تصميم عبوات منظفات الملابس السائلة غالباً ما يعتمد على مقابض مريحة (Ergonomic Grips) وألوان قوية مثل البرتقالي والأزرق الداكن. هذا ليس عشوائياً؛ فاللون البرتقالي في الثقافة التسويقية الغربية يرتبط بالفاعلية والقوة في إزالة البقع، بينما يرتبط الأزرق بالنظافة والانتعاش.
عندما يرى المستهلك عبوة ذات شكل انسيابي يوحي بالحركة (Aerodynamic)، مع فوهة سكب تمنع التسرب، فإن قراره بالشراء يتأثر لاشعورياً بشعوره أن هذا المنتج “سيجعل حياته أسهل”.
تذكر بعض المصادر الإسبانية المتخصصة في سلوك المستهلك أن “البعد البصري” للمنتج يؤثر على قرار الشراء. ففي المنظفات المنزلية القوية (مثل منظفات الأرضيات)، يفضل المستهلكون العبوات ذات القواعد العريضة والزوايا الحادة التي توحي بالثبات والصلابة والقوة، بينما في منعّمات الأقمشة، تميل التصاميم إلى المنحنيات الناعمة الهادئة لتوحي بالرقة والنعومة. هذا التوافق بين شكل العبوة والوظيفة المتوقعة هو المحرك الرئيسي للمبيعات في هذا القطاع.
الجاذبية الحسية في مستحضرات التجميل
في المقابل، تعتمد زيادة المبيعات في قطاع مستحضرات التجميل وتحديداً العناية بالبشرة (Skincare) والمكياج، على ما يُعرف في الأدبيات الفرنسية بـ “L’esthétique du luxe” أو جماليات الفخامة، حتى في المنتجات ذات الأسعار المتوسطة.
المستهلك لا يشتري كريم الوجه فقط، بل يشتري التجربة. التصميم هنا يركز على الملمس (Texture) واللمسات النهائية. العبوات الزجاجية الثقيلة، الأغطية ذات الصوت المسموع عند الإغلاق (Click sound)، والأسطح غير اللامعة (Matte finish)، كلها عناصر تصميمية توحي بالجودة العالية. تشير الأبحاث إلى أن المستهلكين مستعدون لدفع سعر أعلى بنسبة تصل إلى 40% لمنتج تجميلي ذي تغليف يبدو فاخراً مقارنة بمنتج بنفس المكونات في عبوة بلاستيكية رديئة. التصميم هنا هو المحرك الأساسي للقيمة المدركة (Perceived Value)، وبالتالي زيادة هوامش الربح والمبيعات.
3. دور تصميم المنتجات في دعم الجهود التسويقية
لا يقتصر دور التصميم على إتمام عملية البيع اللحظية، بل يمتد ليكون ركيزة أساسية في الاستراتيجية التسويقية طويلة الأمد. التصميم هو اللغة التي تتحدث بها العلامة التجارية مع جمهورها.
التمايز في الأسواق المزدحمة (Brand Differentiation)
في سوق مستحضرات التجميل، يُستخدم التصميم لفصل الفئات المستهدفة.
لنأخذ مثالاً على التباين في التصميم كأداة تسويقية: العلامات التجارية التي تستهدف المراهقين (مثل Glossier) تعتمد تصميمات (بسيطة) مع ألوان زهرية وملصقات مرحة، مما يخلق مجتمعاً تسويقياً حول المنتج يشجع على التصوير والمشاركة في وسائل التواصل الاجتماعي.
بينما العلامات التجارية التي تستهدف مكافحة الشيخوخة تعتمد في تسويقها على تصاميم توحي “بالطبية” و”العلمية” (مثل الأمبولات الزجاجية والقطارات الدقيقة)، لتعزيز رسالة التسويق بأن المنتج هو “علاج” وليس مجرد تجميل. هذا التناغم بين التصميم والرسالة التسويقية يجعل الحملات الإعلانية أكثر مصداقية وقوة.
الابتكار في التغليف كأداة تسويقية في المنظفات
في قطاع المنظفات، استخدمت الشركات التصميم المبتكر كحجر زاوية في حملاتها التسويقية. لعل المثال الأبرز هو كبسولات الغسيل (Pods). لقد غير تصميم المنتج من “مسحوق بودرة” أو “سائل لزج” إلى “كبسولة صغيرة ملونة”.
هذا التغيير الجذري في التصميم لم يزد المبيعات فحسب، بل خلق فئة تسويقية جديدة تماماً ركزت على “الراحة” و”الجرعة المضبوطة مسبقاً”. أصبح التصميم بحد ذاته هو القصة التسويقية (The Marketing Story).
كما تشير المصادر المهتمة بالبيئة (Sustainable Marketing) إلى أن تصميم العبوات المضغوطة (Concentrated formulas) في زجاجات صغيرة أصبح أداة تسويقية قوية لجذب المستهلكين الواعين بيئياً، حيث تسوّق الشركات لهذه المنتجات بأنها تستخدم بلاستيكاً أقل وماءً أقل، مما يجعل التصميم جزءاً من المسؤولية الاجتماعية للشركة.
4. أمثلة واقعية ودراسات حالة
لتوضيح هذه المفاهيم، نستعرض أمثلة محددة من القطاعين:
حالة من قطاع المنظفات: العلامة التجارية “Method“
تعد شركة “Method” للمنظفات مثالاً كلاسيكياً يُدرس في كليات إدارة الأعمال. قبل دخول هذه الشركة، كانت منظفات اليدين والأطباق تُخبأ تحت أحواض الغسيل بسبب شكلها القبيح والدوائي. اعتمدت “Method” استراتيجية “التصميم كديكور” (Design as Décor). قاموا بتصميم عبوات شفافة تشبه الدمعة (Tear-drop shape) بألوان زاهية جداً، وتعاونوا مع مصممين صناعيين مشهورين.
النتيجة: تحول المنتج من سلعة نفعية بحتة إلى إكسسوار منزلي يوضع بفخر فوق الطاولة. أدى هذا التصميم إلى زيادة هائلة في المبيعات وسمح للشركة بمنافسة عمالقة مثل Procter & Gamble دون ميزانيات إعلانية ضخمة، حيث كان المنتج يسوق لنفسه عبر شكله الجذاب.
حالة من قطاع التجميل: العلامة التجارية “Fenty Beauty“
عندما أطلقت ريانا علامتها التجارية، لم يكن الابتكار في المنتج فقط، بل في تصميم التغليف. اعتمدت تصميماً هندسياً مضلعاً (Hexagonal) للعيدان (Sticks) التي تلتصق ببعضها البعض مغناطيسياً. هذا التصميم حل مشكلة ضياع المكياج في الحقيبة، وأعطى شكلاً بصرياً مميزاً يشبه خلايا النحل.
من الناحية التسويقية، عزز هذا التصميم فكرة “الجمع والتنسيق” (Mix and Match)، مما شجع المستهلكات على شراء أكثر من قطعة لتركيبها معاً، وهو ما انعكس مباشرة على مضاعفة حجم المبيعات لكل عميل.
المنظور الأوروبي
في فرنسا، تركز علامات مثل “L’Occitane” و”Caudalie” على تصميم العبوات المستوحى من الطبيعة والصيدليات القديمة. استخدام الزجاج الداكن والملصقات التي تشبه الكتابة اليدوية يعزز تسويقياً فكرة “الأصالة” و”المكونات الطبيعية”، وهو ما يجذب شريحة واسعة تبحث عن الهروب من المنتجات الصناعية.
وفي إسبانيا، تشير تحليلات السوق لمنتجات مثل “Agua de Colonia” إلى أن تصميم الزجاجات الكبيرة العائلية ذات الطابع الكلاسيكي يعزز المبيعات من خلال التسويق العاطفي الذي يربط المنتج بذاكرة الطفولة والأسرة، مما يجعل التصميم جسراً عاطفياً بين العلامة التجارية والمستهلك.
5. التوجهات الحديثة: الاستدامة والشمولية في التصميم
لا يمكن إغفال التوجه الحديث نحو “التصميم الأخضر” (Eco-Design) وتأثيره على المبيعات والتسويق حالياً. المستهلك اليوم مثقف ويقرأ الملصقات.
في قطاع التجميل، بدأت الشركات تتجه نحو العبوات القابلة لإعادة التعبئة (Refillable Packaging). تصميم المنتج ليكون قابلاً لإعادة التعبئة (مثل أحمر الشفاه من Dior أو العطور الفاخرة) يسمح للشركات ببيع العبوة الأساسية بسعر مرتفع (تسويق الفخامة) وبيع عبوات التعبئة بسعر أقل (زيادة تكرار المبيعات).
في قطاع المنظفات، ظهرت تصاميم تعتمد على الكرتون المقوى بدلاً من البلاستيك، أو الأقراص التي تذوب في الماء. هذا التحول في التصميم أصبح هو محور الرسائل التسويقية الموجهة للجيل Z وجيل الألفية، حيث أصبحت “الاستدامة” هي معيار الجودة الجديد الذي يحفز المبيعات.
خلاصة القول، إن تصميم المنتج في مجالي المنظفات ومستحضرات التجميل ليس مجرد ترف فني، بل هو ضرورة تجارية استراتيجية. إنه العنصر الذي يحول الانتباه إلى اهتمام، والاهتمام إلى رغبة، والرغبة إلى فعل شراء.
الشركات التي تدرك أن الغلاف هو “الجزء الملموس من العلامة التجارية” هي التي تنجح في بناء علاقة طويلة الأمد مع المستهلكين، متجاوزة بذلك المنافسة السعرية التقليدية إلى منافسة قائمة على القيمة والتميز.
كما يمكنكم الاطلاع على جميع خدماتنا التي نقدكها من خلال زيارة صفحة خدماتنا .

